500 مليون يورو للبنان: هل يبدأ زمن التعافي أم تتجدد إدارة الأزمة؟
مدينتي – عبد المجيد المهباني
من نيويورك، لم يطرح رئيس الحكومة نواف سلام على المجتمع الدولي مجرد حاجة لبنان إلى مزيد من المساعدات.
بل حاول نقل النقاش إلى مستوى أكثر حساسية: هل يستطيع لبنان الخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء التعافي؟
السؤال أساسي. لبنان لم يعد يعيش أزمة واحدة يمكن احتواؤها بحزمة مساعدات أو خطة طوارئ.
فالبلد يواجه أزمات أمنية واقتصادية ومالية واجتماعية ومؤسساتية متداخلة.
وفي المقابل، يدفع الجنوب كلفة إضافية نتيجة الحرب وتداعياتها على السكان والبنية التحتية والاقتصاد المحلي.
ضمن هذا المشهد، جاء اجتماع «ما بعد الأزمات – Moving Beyond Crisis» في نيويورك.
الهدف كان طرح التجربة اللبنانية أمام المجتمع الدولي كنموذج لأزمة ممتدة.
وهذه الأزمات لا يمكن التعامل معها بمنطق «الطوارئ أولاً ثم التعافي لاحقاً».
في لبنان، لا يوجد هذا الفصل عملياً.
عائلات تحتاج إلى المساعدة، وأهالٍ يريدون العودة، وقرى تحتاج إلى إعادة تأهيل.
في الوقت نفسه، مطالبة الدولة باستعادة حضورها تترافق مع حاجة الاقتصاد المحلي إلى استعادة دورة الحياة.
وهنا تبدأ القراءة اللبنانية للمشهد.
لبنان لا يحتاج فقط إلى المال… بل إلى تغيير طريقة استخدامه
إعلان الاتحاد الأوروبي بدء صرف الدفعة الثانية البالغة 500 مليون يورو للبنان يحمل أهمية مالية واضحة.
لكن السؤال الأهم يتعلق بكيفية استخدام هذا التمويل.
هل ستذهب الأموال إلى إدارة الأزمة، أم ستساعد لبنان على الخروج منها؟
الفرق بين المسارين كبير.
إدارة الأزمة تعني تأمين الحاجات العاجلة وتوزيع المساعدات ومعالجة الأضرار المباشرة.
أما التعافي، فيعني إعادة بناء قدرة الدولة والاقتصاد والمجتمع على العمل بصورة طبيعية.
الهدف النهائي هو ألا يبقى لبنان محتاجاً إلى حزمة دولية جديدة عند كل أزمة.
ومن هنا يمكن فهم إحدى أهم الرسائل التي حملها سلام إلى نيويورك.
لبنان يريد تمويلاً لا ينتهي بانتهاء حالة الطوارئ.
المطلوب أن ينتقل الدعم إلى مراحل العودة والتعافي وإعادة الإعمار.
لكن هذه المقاربة تضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية أساسية.
فالدعم الدولي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة.
المعادلة الجديدة: الدولة تقود والمجتمع الدولي يدعم
أكد سلام أن المطلوب هو تعزيز مؤسسات الدولة، لا إنشاء منظومات موازية لها.
هذه ليست مسألة تقنية فقط.
بل ترتبط بالسيادة والإدارة والاقتصاد وقدرة الدولة على القيام بدورها.
عندما تضعف المؤسسات الرسمية، تتوسع الحاجة إلى جهات بديلة لتقديم الخدمات.
أما الدولة القادرة على قيادة الاستجابة والتعافي، فتستطيع تحويل التمويل الخارجي إلى أداة لبناء المؤسسات.
من هنا تكتسب عبارة «التكامل لا الاستبدال» أهمية خاصة.
المقصود هو أن تكون الدولة في مركز العملية، بينما يقدم الشركاء الدوليون التمويل والخبرات والدعم.
لكن نجاح هذه المعادلة لا يتوقف على الخارج وحده.
المؤسسات اللبنانية مطالبة أيضاً بالإدارة والشفافية والتنسيق وتحديد الأولويات.
كما أن الرقابة على الإنفاق تصبح أكثر أهمية مع تدفق التمويل الخارجي.
الجنوب هو الاختبار الحقيقي
قد يكون الجنوب المكان الأكثر وضوحاً لاختبار هذه المعادلة.
إعادة إعمار المباني المتضررة وحدها لا تكفي.
المطلوب إعادة الحياة إلى مناطق كاملة.
ويشمل ذلك المدارس والطرق وشبكات المياه والكهرباء والمراكز الصحية.
كما يتطلب تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل وتعزيز حضور مؤسسات الدولة.
العودة من دون خدمات أساسية قد لا تكون مستدامة.
كذلك، فإن الإعمار من دون اقتصاد محلي لا يضمن الاستقرار.
أما البنى التحتية، فتحتاج إلى إدارة قادرة على تشغيلها وصيانتها بعد انتهاء مشاريع التأهيل.
لذلك، فإن تثبيت أهل الجنوب في أرضهم لا يمكن اختزاله في إعادة بناء الحجر.
إنه مشروع اجتماعي واقتصادي وإنمائي متكامل.
ويحتاج هذا المشروع إلى تمويل مستمر وإدارة واضحة وتنسيق فعلي بين الدولة والجهات الدولية والمحلية.
عندها فقط يمكن أن تتحول المساعدات إلى استثمار حقيقي في قدرة الدولة والمجتمع المحلي على الصمود.
ماذا يريد الأوروبيون من لبنان؟
في السياسة الدولية، لا تأتي المساعدات بمعزل عن المصالح والشراكات والأهداف.
والاتحاد الأوروبي لا يتحدث في علاقته مع لبنان عن الأموال وحدها.
فمفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا شددت خلال لقائها مع سلام على أهمية مواصلة الإصلاحات.
كما أكدت أهمية الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وهنا تظهر المعادلة بوضوح:
الدعم الأوروبي موجود، لكن الإصلاح جزء أساسي من الطريق.
لذلك، فإن الـ500 مليون يورو لا تأتي منفصلة عن المسار الاقتصادي والمؤسساتي الذي تسعى الحكومة إلى تثبيته.
المجتمع الدولي يريد رؤية دولة أكثر قدرة على إدارة مواردها.
ويحتاج أيضاً إلى مؤسسات تستطيع تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
أما لبنان، فيحتاج إلى استعادة الثقة بقطاعاته المالية والإدارية والاقتصادية.
وهذه المطالب ترتبط مباشرة بأزمة الثقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
لبنان أمام امتحان الإصلاح
لطالما حصل لبنان على التعاطف الدولي في لحظات الأزمات.
لكن التحدي التاريخي كان في الانتقال من التعاطف إلى حلول مستدامة.
المرحلة الحالية تحتاج إلى مقاربة مختلفة.
فالبلد يحتاج إلى موارد مالية، لكنه يحتاج أيضاً إلى إصلاحات تسمح لهذه الموارد بإنتاج نتائج واضحة.
كما أن نجاح التعافي يتطلب مؤسسات قادرة على تحديد الأولويات.
وتحتاج عملية الإنفاق إلى إدارة أكثر فاعلية وآليات شفافة للرقابة.
في المقابل، لا بد من قرار سياسي واضح يجعل التعافي مساراً مستداماً، لا مرحلة مؤقتة تسبق أزمة جديدة.
من «الدولة المتلقية» إلى «الدولة الشريكة»
هذه النقطة ربما تكون الأهم في المشهد كله.
إذا أرادت الدولة اللبنانية الحصول على تمويل طويل الأمد، فعليها تقديم رؤية واضحة للمجتمع الدولي.
المطلوب تحديد المشاريع والأولويات ومصادر الإنفاق وآليات الرقابة وطرق قياس النتائج.
وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى جعل نتائج الدعم الدولي ملموسة في حياة المواطنين.
المواطن الجنوبي لا يعنيه كثيراً اسم الصندوق أو المؤسسة التي مولت المشروع.
ما يعنيه أن تعود الكهرباء، وأن تصل المياه، وأن تفتح المدرسة، وأن يعمل المركز الصحي.
ويحتاج أيضاً إلى طريق صالح وفرصة عمل تساعده على البقاء في أرضه.
من هنا يمكن تحويل الأرقام الدولية إلى مؤشرات لبنانية واضحة:
كم مدرسة عادت إلى العمل؟ كم شبكة مياه أُعيد تأهيلها؟ كم طريقاً أعيد فتحه؟ كم فرصة عمل تم توفيرها؟ وكم عائلة استطاعت العودة والاستقرار؟
بين وعود الخارج وقدرة الداخل
هنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً.
الاتحاد الأوروبي يضع 500 مليون يورو إضافية ضمن مسار الدعم.
والحكومة اللبنانية تعرض مقاربة جديدة للتعافي.
أما المؤسسات الدولية، فتعلن استعدادها للمساعدة.
لكن العامل الحاسم يبقى في بيروت.
هل تستطيع الدولة اللبنانية استثمار اللحظة الدولية لبناء مسار تعافٍ حقيقي؟
هذا هو الاختبار الفعلي.
فلبنان لا يعاني فقط من نقص الأموال.
هناك أيضاً مشكلات متراكمة في الإدارة والحوكمة والاقتصاد والثقة السياسية والمؤسساتية.
ولهذا السبب، فإن الأموال مهما بلغت لا تستطيع وحدها معالجة هذه الاختلالات.
الاقتصاد والسياسة في معادلة واحدة
لا يمكن فصل مسار التعافي عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية.
فالجنوب يحتاج إلى إعادة إعمار، بينما يحتاج لبنان كله إلى اقتصاد قادر على استيعاب عملية إعادة البناء.
وهذا يتطلب بيئة استثمارية أفضل ومؤسسات مالية أكثر استقراراً.
كما يحتاج إلى إصلاحات في القطاع العام ومعالجة الاختلالات في الخدمات.
ويبقى استعادة الثقة عنصراً أساسياً في أي مسار اقتصادي جديد.
من هذه الزاوية، يجب ألا تُقرأ إعادة إعمار الجنوب كملف مناطقي منفصل.
إنها جزء من إعادة بناء الاقتصاد اللبناني نفسه.
فالطريق الذي يعاد تأهيله في الجنوب يدخل في الدورة الاقتصادية.
والمدرسة التي تعود إلى العمل تعيد خدمة المجتمع المحلي.
أما القطاع الزراعي، فاستعادته تعني حماية مصدر دخل أساسي لعائلات كثيرة.
وهكذا تتحول مشاريع التعافي إلى عناصر في دورة اقتصادية وطنية أوسع.
من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد التعافي
المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم التمويل.
التوقيت وطريقة الاستخدام لا يقلان أهمية عن حجم الأموال.
التمويل الطارئ يساعد على تجاوز اللحظة الصعبة.
لكنه لا يبني بالضرورة اقتصاداً قادراً على مواجهة الأزمات المقبلة.
أما التعافي، فيحتاج إلى تمويل طويل الأمد وخطط تمتد لسنوات.
كما يحتاج إلى مشاريع تعيد تشغيل الاقتصاد المحلي وتخلق فرص عمل وتحافظ على الخدمات العامة.
وهذا يعني أن لبنان يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الاستجابة للأضرار إلى اقتصاد يستثمر في تقليل كلفة الأزمات المقبلة.
في هذه المعادلة، يصبح الإصلاح جزءاً من التعافي.
ولا يعود شرطاً منفصلاً عنه.
ماذا تعني الـ500 مليون يورو للمواطن اللبناني؟
قد يبدو الرقم كبيراً على الورق.
لكن المواطن لن يقيس قيمة الدعم الأوروبي بحجم المبلغ وحده.
المعيار الحقيقي سيكون في النتائج التي يلمسها في حياته اليومية.
إذا تحولت الأموال إلى مدارس تعمل وشبكات مياه وكهرباء مؤهلة وطرق صالحة، يصبح التمويل تعافياً ملموساً.
كما يمكن أن يتحول إلى مشاريع اقتصادية وفرص عمل تعيد الحركة إلى المناطق المتضررة.
أما إذا بقيت الأموال موزعة بين خطط ومؤتمرات وبرامج لا تظهر نتائجها بوضوح، فستبقى الفجوة قائمة بين لغة المجتمع الدولي وواقع المواطن.
وهنا تقع مسؤولية مشتركة على الدولة والجهات المانحة والمؤسسات المنفذة.
تبدأ المسؤولية بالتخطيط.
ثم تنتقل إلى التنفيذ والرقابة وقياس النتائج.
الخلاصة: الفرصة موجودة… لكن القرار لبناني
ما خرج من نيويورك يعكس استمرار مساحة الدعم الدولي للبنان.
لكن الاستفادة من هذه المساحة ترتبط بقدرة الحكومة على تثبيت مسار الإصلاح وربطه بالتعافي.
الدعم الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن القرار اللبناني.
فالـ500 مليون يورو تستطيع تخفيف الأعباء وتمويل مشاريع ودعم المناطق المتضررة.
لكن تحويلها إلى نقطة انطلاق يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد.
ويحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على التنفيذ ورقابة تمنع الهدر.
كما يحتاج إلى خطة تربط الإعمار بالتنمية، والإصلاح بالتمويل، والعودة بالاستقرار.
أما الجنوب، فلا يحتاج فقط إلى إعادة بناء ما تهدم.
إنه يحتاج إلى إعادة بناء شروط الحياة.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي ليس بين «الإغاثة» و«الإعمار».
التحدي يكمن في الانتقال من نموذج يبقي لبنان في دائرة الاستجابة لكل أزمة، إلى مسار يبني دولة أكثر قدرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها وتحريك اقتصادها.
في النهاية، قد تكون قيمة الـ500 مليون يورو أكبر من رقمها المالي.
لكن ذلك يرتبط بقدرة لبنان على جعلها جزءاً من بداية مسار وطني للتعافي، لا مجرد دفعة جديدة في اقتصاد الأزمات.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط أن يحصل لبنان على الدعم.
بل أن يثبت قدرته على تحويل الدعم إلى دولة أقوى، واقتصاد أكثر إنتاجية، ومناطق متضررة تستعيد حياتها، ومواطن يشعر بأن الدولة عادت فعلاً إلى القيام بدورها.
عبد المجيد المهباني
رئيس تحرير موقع مدينتي الإخباري


