تصويب البوصلة السياسية نحو المواطن… من الخطاب إلى المسؤولية

بقلم عبد المجيد المهباني – رئيس تحرير موقع مدينتي الإخباري

في لبنان، بات تصويب الأداء السياسي نحو المواطن ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فوسط الأزمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية المتراكمة، لم يعد اللبناني ينتظر مزيدًا من الخطابات، بل يريد دولة تحمي حقوقه، وتؤمّن الخدمات، وتضع كرامته في صدارة الأولويات.

إن تصويب البوصلة السياسية نحو المواطن يعني الانتقال من منطق الوعود والمناكفات إلى منطق المسؤولية والإنجاز. فالمطلوب اليوم أداء سياسي يلامس وجع الناس، ويعيد الثقة بالمؤسسات، ويجعل المصلحة العامة أساسًا لكل قرار.

ومن هنا، يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع لبنان الانتقال من سياسة الخطاب إلى سياسة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها؟

المواطن بين الخطاب السياسي وواقع الأزمات

يعيش اللبناني منذ سنوات تحت ضغط اقتصادي واجتماعي ومعيشي أنهك قدرته على الصمود. فالأزمة لم تعد محصورة في ارتفاع الأسعار، بل امتدت إلى التعليم والاستشفاء والمحروقات والكهرباء والاتصالات وفرص العمل، وصولًا إلى تراجع القدرة على تأمين أبسط مقومات الحياة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الفجوة واسعة بين ما يسمعه المواطن في الخطابات السياسية وما يعيشه في يومياته.

فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط من ربح السجال السياسي، أو من سجّل نقطة إضافية في مواجهة خصمه. هو يريد أن يعرف من سيؤمّن له حقه في التعليم، ومن سيحميه من الاستغلال، ومن سيضع حدًا لفوضى الخدمات، ومن سيعيد إلى الدولة قدرتها على القيام بواجباتها.

إن استمرار الخطاب السياسي بعيدًا عن هذه الأولويات يضعف الثقة بالمؤسسات، ويحوّل السياسة من أداة للحل إلى جزء من المشكلة.

فحين يصبح المواطن آخر من يُسأل عن حاجاته، وأول من يدفع ثمن القرارات، فإن الخلل لا يعود في الأداء فقط، بل في مفهوم المسؤولية العامة نفسه.

السياسة ليست إدارة للخلافات فقط

لا يمكن اختزال العمل السياسي في المواقف والبيانات والردود المتبادلة. فالسياسة، في جوهرها، إدارة للمصلحة العامة، وصناعة للقرار، وتحمل للمسؤولية أمام الناس.

ومن الطبيعي أن تتعدد الآراء، وأن تختلف القوى السياسية حول الخيارات الوطنية والاقتصادية والأمنية. لكن الخلاف يصبح عقيمًا عندما يتحول إلى غاية بحد ذاته، وعندما يُستخدم لتأجيل الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

المطلوب ليس إلغاء التنافس السياسي، بل رفع مستواه.

فالتنافس الحقيقي يكون حول من يقدّم الحل الأفضل، ومن يملك القدرة على تنفيذ الإصلاح، ومن يستطيع تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة.

أما أن يبقى المواطن أسير التجاذبات، فيما تتراكم الأزمات فوق أكتافه، فذلك يعني أن السياسة فقدت بوصلتها الأساسية.

من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الأولويات

لا يمكن تصويب الأداء السياسي من دون وضع الملف الاقتصادي والاجتماعي في مقدمة الاهتمام.

فكل قرار سياسي له انعكاس مباشر على حياة المواطن. وأي نقاش حول الموازنة أو الضرائب أو الدعم أو الخدمات يجب أن ينطلق من سؤال أساسي:

كيف سيؤثر هذا القرار على حياة الناس، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا؟

إن حماية القدرة الشرائية، ودعم التعليم الرسمي، وتأمين الاستشفاء، وتحسين النقل والكهرباء، وخلق فرص العمل، ليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها لحسابات سياسية ضيقة.

بل هي جوهر الاستقرار الوطني.

فالدولة التي تعجز عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لمواطنيها، تترك فراغًا لا تملؤه الخطابات مهما ارتفعت نبرتها.

ومن هنا، فإن أي خطة اقتصادية لا تضع المواطن في صلبها تبقى ناقصة، مهما كانت عناوينها كبيرة أو وعودها براقة.

المطلوب سياسة اقتصادية تقيس نجاحها بقدرتها على تخفيف الأعباء عن الناس، لا بمجرد إطلاق المؤشرات والتصريحات.

الدولة القوية تبدأ من ثقة المواطن

لا تُبنى الدولة القوية بالشعارات وحدها، ولا بكثرة الوعود، ولا بمجرد إصدار القرارات.

الدولة القوية هي التي يشعر المواطن فيها بأن القانون يحميه، وأن المؤسسات تعمل، وأن المسؤول يخضع للمساءلة، وأن حقوقه لا تتوقف على الواسطة أو النفوذ أو القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.

ومن هنا، فإن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تتطلب أداءً سياسيًا مختلفًا، يقوم على الوضوح والشفافية والالتزام.

فالمواطن يريد أن يعرف:

  • ما الذي أُنجز فعلًا؟
  • ما الذي تعثّر؟
  • من يتحمل المسؤولية؟
  • وما هي المواعيد الواقعية للحلول؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل حق أساسي في دولة تحترم مواطنيها.

وإذا كانت الدولة تريد استعادة ثقة الناس، فعليها أن تبدأ من احترام عقولهم، ومصارحتهم بالحقائق، وعدم تحويل معاناتهم إلى مادة للاستهلاك السياسي.

طرابلس والمناطق… من التهميش إلى الإنماء العادل

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تصويب الأداء السياسي من دون التوقف عند واقع المناطق اللبنانية، وفي مقدمتها طرابلس والشمال.

فالمناطق التي عانت طويلًا من الحرمان الإنمائي، تحتاج إلى مقاربة تتجاوز الزيارات الموسمية والتعهدات المتكررة.

طرابلس ليست مجرد خزان انتخابي، ولا مناسبة لإطلاق المواقف. إنها مدينة ذات تاريخ ودور وطاقات بشرية واقتصادية، وتحتاج إلى خطة إنمائية متكاملة تعالج البنى التحتية، وتدعم المرفأ، وتحفّز الاستثمار، وتحمي التعليم، وتفتح أبواب العمل أمام الشباب.

والإنماء العادل لا يعني تقديم خدمات استثنائية لمنطقة دون أخرى، بل تصحيح الخلل المزمن في توزيع الفرص والموارد.

فلا استقرار وطنيًا حقيقيًا من دون عدالة إنمائية، ولا عدالة إنمائية من دون قرار سياسي واضح.

وما ينطبق على طرابلس والشمال، ينطبق على كل منطقة لبنانية تشعر بأن الدولة لا تصل إليها إلا عند الاستحقاقات، أو حين تحتاج إلى أصوات أبنائها.

إن المواطن في الأطراف ليس مواطنًا من درجة ثانية، وحقه في الإنماء والخدمات لا يقل عن حق أي مواطن في العاصمة أو المدن الكبرى.

المواطن شريك في القرار لا متلقٍ للوعود

من أهم عناصر تصويب الأداء السياسي إعادة الاعتبار إلى دور المواطن في الحياة العامة.

فالمواطن ليس مجرد ناخب يظهر في يوم الانتخابات، ثم يغيب عن المشهد حتى الاستحقاق التالي.

إنه شريك في بناء الدولة، وصاحب حق في الاطلاع والمساءلة والمشاركة في تحديد الأولويات.

وهنا تبرز أهمية المجالس البلدية ومجالس الأهل والهيئات المدنية والنقابات والإعلام المهني، باعتبارها قنوات أساسية لنقل مطالب الناس ومراقبة الأداء العام.

وكلما اتسعت مساحة المشاركة المسؤولة، تراجعت مساحة الاحتقان، وأصبح القرار أكثر التصاقًا بالواقع.

فالمواطن الذي يُستمع إليه يشعر بأنه جزء من الحل، أما المواطن الذي يُهمّش صوته، فيجد نفسه أمام دولة لا تعكس احتياجاته.

ومن هنا، فإن المشاركة ليست مجرد عنوان ديمقراطي، بل وسيلة عملية لتحسين القرار العام وتصحيح مسار السياسات.

الإعلام والمسؤولية السياسية

لا يكتمل تصويب الأداء السياسي من دون إعلام مهني يضع مصلحة المواطن في صلب رسالته.

فالإعلام ليس مجرد ناقل للتصريحات، ولا ساحة لتضخيم الخلافات، بل أداة رقابة ومساءلة وكشف للحقائق.

وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، تزداد الحاجة إلى إعلام يميّز بين الخبر والدعاية، وبين النقد المسؤول والتحريض، وبين المعلومة الدقيقة والمبالغة التي تزيد خوف الناس وقلقهم.

إن حماية المواطن من التضليل لا تقل أهمية عن نقل مطالبه إلى أصحاب القرار.

كما أن الإعلام المهني لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يتابع الإجابات، ويرصد التنفيذ، ويضع المسؤول أمام الرأي العام.

فالمشكلة ليست في أن ينتقد الإعلام أداء السلطة، بل في أن يتحول النقد إلى غاية منفصلة عن الحقيقة والمصلحة العامة.

وعندما يلتزم الإعلام دوره الرقابي، يصبح شريكًا في تصويب الأداء السياسي، لا مجرد شاهد على الأزمات.

من المسؤولية السياسية إلى المحاسبة

إن تصويب البوصلة السياسية نحو المواطن يتطلب الانتقال من منطق المسؤولية الكلامية إلى منطق المسؤولية العملية.

فالمسؤول لا يُقاس فقط بما يقوله، بل بما يحققه.

والحزب لا يُقيّم فقط بشعاراته، بل بقدرته على تقديم حلول.

والحكومة لا تُحكم فقط على نواياها، بل على نتائج قراراتها.

أما المجلس النيابي، فدوره لا يقتصر على التشريع، بل يشمل الرقابة والمساءلة والتعبير عن مصالح الناس.

وهنا، تصبح المحاسبة ضرورة لحماية الحياة السياسية من التحول إلى دائرة مغلقة من الوعود المتكررة.

فلا يكفي أن يُعلن المسؤول عن خطة، أو يَعِد بمعالجة ملف، أو يحمّل الآخرين مسؤولية التعطيل.

المطلوب أن تكون هناك متابعة واضحة، ومواعيد محددة، ونتائج يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

إن المسؤولية السياسية الحقيقية تبدأ عندما يدرك صاحب القرار أن المواطن ليس مجرد متلقٍ، بل صاحب حق في السؤال والمحاسبة.

لبنان يحتاج إلى سياسة تشبه مواطنيه

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات التي ترفع سقف التوقعات ثم تترك الناس أمام واقعهم الصعب.

ما يحتاجه هو أداء سياسي أكثر صدقًا، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

سياسة تضع المواطن قبل الحسابات، والمصلحة العامة قبل المكاسب الضيقة، والإنجاز قبل الاستعراض.

فالمواطن اللبناني لم يعد يريد أن يكون موضوعًا في الخطابات، بل شريكًا في القرار، ومستفيدًا من الدولة، وصاحب حق في حياة كريمة.

إن تصويب الأداء السياسي نحو المواطن لا يعني التخلي عن المبادئ الوطنية، ولا إلغاء التنافس السياسي، ولا تجاهل الملفات الكبرى التي تواجه لبنان.

بل يعني أن تُدار هذه الملفات من موقع المسؤولية، وأن تُقاس نتائجها بمدى انعكاسها على حياة الناس وأمنهم واستقرارهم.

فلا قيمة لأي مشروع سياسي لا يترجم نفسه إلى حماية للمواطن، ولا لأي خطاب وطني لا ينعكس على معيشته وكرامته.

الخاتمة: المواطن هو البوصلة

في النهاية، لا يمكن بناء دولة قوية بأداء سياسي منفصل عن واقع المجتمع.

ولا يمكن استعادة الثقة من دون أن يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وحقوقه مصانة، ومعاناته حاضرة في جدول أعمال المسؤولين.

إن تصويب البوصلة السياسية نحو المواطن ليس تنازلًا عن السياسة، بل هو استعادة لمعناها الحقيقي.

فحين تصبح كرامة الإنسان معيارًا، والخدمة العامة مسؤولية، والمحاسبة قاعدة، يمكن للبنان أن يبدأ فعلًا باستعادة الثقة، وبناء دولة تستحقها أجياله.

المواطن ليس تفصيلًا في المعادلة السياسية… بل هو أساسها وغايتها.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة أفعال لا أقوال، ومرحلة مسؤولية لا استعراض، ومرحلة دولة تضع الإنسان في قلب القرار.

فلبنان لا يُنقذ بكثرة الخطابات، بل بقرار سياسي صادق، وإدارة مسؤولة، وأداء يضع المواطن أولًا.


عبد المجيد المهباني
رئيس تحرير موقع مدينتي الإخباري

شاركها.
Translate »