من كسرى وقيصر… إلى طهران وتل أبيب

بقلم الأستاذ عبد الكريم بارودي

قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، كان الشرق الأوسط مسرحًا لصراع عملاقين: الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية البيزنطية. كانت الحرب بينهما تمتد لعقود، وتتغير خرائط النفوذ مع كل معركة، فيما كانت معظم القبائل العربية موزعة بين هذا المعسكر أو ذاك، تحمي حدوده وتنفذ أوامره، أو تراقب الصراع من هامشه، عاجزة عن رسم مستقبل المنطقة بنفسها.
وقد استمرت المنافسة بين الإمبراطوريتين قرونًا، حتى جاء الإسلام لبطوي صفحة الفرس والروم معُا، ويطلق للعرب رسالةً غيّرت مجرى التاريخ، ونقلتهم من هامش الأحداث إلى صدارة الأمم، ومن التبعية إلى صناعة حضارة امتد أثرها شرقًا وغربًا.

اليوم، وبعد مرور قرون طويلة، تبدو المنطقة وكأنها تستعيد، بصورة مختلفة، مشهدًا مألوفًا. صحيح أن الدول والحدود والأنظمة تغيرت، وأن أدوات القوة لم تعد تقتصر على الجيوش الجرارة، إلا أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش تحت تأثير تنافس قوتين إقليميتين تمتلك كل منهما مشروعها الأمني والسياسي، هما إيران والكيان الصهيوني.

في الماضي كان الصراع بين كسرى وقيصر يدور على أرض الشام والعراق والأناضول. واليوم، لا تخلو ساحة في المنطقة من بصمات التنافس الإيراني الصهيوني، سواء عبر المواجهات المباشرة أو عبر الحروب غير المباشرة، أو سباقات التسلح، أو التحالفات الإقليمية، أو الصراع الاستخباراتي.

وإذا كانت القبائل العربية قبل الإسلام قد وجدت نفسها موزعة بين ولاءات مختلفة للقوتين العظميين، فإن عدداً من دول المنطقة اليوم يجد نفسه أيضًا مضطرًا إلى إعادة حساباته باستمرار وفق موازين القوى، حفاظًا على أمنه أو مصالحه.

وإذا كان التاريخ لا يكرر نفسه بحذافيره، فإنه كثيرًا ما يعيد رسم ملامحه بأسماء مختلفة. والمتأمل في مشهد الأمس واليوم لا يملك إلا أن يلحظ تشابهًا لافتًا بين حقبتين يفصل بينهما أكثر من أربعة عشر قرنًا. ومن هنا قد يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن النهاية قد تشبه البداية، وأن المخاض الذي تعيشه المنطقة اليوم قد يكون مقدمة لتحول تاريخي كبير، ثم ليسأل نفسه: “هل نحن على أعتاب فجر جديد يعيد رسم موازين القوى ويكتب فصلًا مختلفًا من تاريخه؟”

شاركها.
Translate »