السرطان في لبنان: تحقيق في صناعة الوباء الصامت
الأرقام التي لا يمكن تجاهلها
لم يعد الحديث عن السرطان في لبنان ترفاً صحياً أو مبالغة إعلامية. المنحنى يرتفع بثبات، والبيئة تتدهور، وأنماط الحياة تتفاقم خطورتها، فيما الدولة تتعامل مع الملف كعبء مالي لا كخطر وجودي.
دراسة حديثة نشرتها The Lancet توقعت ارتفاع وفيات السرطان عالمياً بنسبة تصل إلى 80% بحلول عام 2050. في لبنان، حيث تتقاطع عوامل الخطر البيئي والصحي والسياسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
الفصل الأول: ماذا تقول الأرقام فعلياً؟
سجلت وزارة الصحة اللبنانية 17,483 إصابة مؤكدة عام 2024. لكن الرقم لا يعكس الحجم الكامل للمشكلة. فلبنان لا يملك حتى الآن نظام تسجيل وطني متكامل لوفيات السرطان.
الدكتور علي مقداد من University of Washington يوضح أن التوقعات تستند إلى نماذج إحصائية تأخذ في الاعتبار الشيخوخة السكانية، التدخين، التلوث، وتغير نمط الغذاء. في المقابل، يشدد الدكتور عرفات طفيلي في American University of Beirut على ضرورة قراءة الأرقام بحذر، لأن تحسن التشخيص المبكر يرفع معدلات التسجيل.
غير أن الاتجاه العام لا يختلف عليه أحد: الإصابات ترتفع بوتيرة تفوق الزيادة السكانية.
الفصل الثاني: التدخين… الوباء الذي نرعاه بأيدينا
لبنان من أعلى الدول العربية في معدلات التدخين، خصوصاً بين الشباب. النارجيلة تحوّلت إلى ثقافة اجتماعية يومية، رغم أنها تحتوي على مواد مسرطنة بتركيز يفوق السجائر في بعض الحالات.
سرطان الرئة يحتل المرتبة الثانية في الانتشار، مع نحو 1595 حالة سنوياً. وهو السبب الأول لوفيات السرطان بين الرجال.
القانون موجود، لكنه لا يُطبّق بصرامة. المقاهي تعجّ بالدخان، والرقابة شبه غائبة. هكذا يتحول التراخي الإداري إلى عامل خطر مباشر.
الفصل الثالث: الهواء الذي نستنشقـه… سمّ بطيء
أزمة الكهرباء دفعت اللبنانيين إلى الاعتماد الكثيف على مولدات الديزل. أكثر من 9000 مولّد تعمل في بيروت وحدها، فيما يقدَّر العدد الإجمالي بنحو 450 ألفاً على مستوى البلاد.
دراسات بيئية أجرتها فرق بحثية في الجامعة الأميركية في بيروت أظهرت ارتفاعاً خطيراً في الجسيمات الدقيقة (PM2.5)، وهي قادرة على اختراق الرئة والوصول إلى مجرى الدم.
تؤكد أبحاث نشرتها World Health Organization أن التعرض المزمن لهذا النوع من التلوث يرتبط مباشرة بارتفاع معدلات سرطان الرئة وأمراض القلب.
لبنان يتنفس هذا الهواء يومياً… بلا فلاتر، وبلا خطة وطنية للحد من الانبعاثات.
الفصل الرابع: نهر ملوّث… وغذاء مهدّد
يشكّل نهر الليطاني نموذجاً صارخاً للتلوث الصناعي والزراعي. المصانع تصرّف نفاياتها، والمزارعون يستخدمون مبيدات مسرطنة، والرقابة محدودة.
هذا التلوث لا يبقى في الماء. إنه ينتقل إلى الخضار والفواكه، ومنها إلى موائد اللبنانيين. ومع غياب هيئة فاعلة لسلامة الغذاء، يتحول الاستهلاك اليومي إلى احتمال تعرّض مزمن للسموم.
الفصل الخامس: الحروب… الأثر المؤجل
شهد لبنان حروباً متكررة خلّفت معادن ثقيلة ومخلّفات متفجرة في التربة. تقارير بيئية حذّرت من استخدام الفوسفور الأبيض ومن بقايا الذخائر غير المنفجرة.
عند إزالة الردم بلا معايير بيئية صارمة، تنتشر الجزيئات السامة مجدداً في الهواء. لا توجد دراسات وطنية شاملة تقيس أثر هذه المخلفات على معدلات السرطان، لكن المؤشرات البيئية تدعو للقلق.
الفصل السادس: الكلفة… حين يتحول المرض إلى أزمة مالية
متوسط كلفة الفحوص الأولية قد يصل إلى 2000 دولار قبل دخول المريض في تغطية وزارة الصحة. ومع ارتفاع أسعار الأدوية عالمياً، تضاعف الإنفاق الحكومي على أدوية السرطان من 32 مليون دولار عام 2024 إلى 103 ملايين عام 2025.
رغم ذلك، يواجه المرضى نقصاً دورياً في بعض العلاجات. الجمعيات الأهلية تسدّ ثغرات، لكنها لا تستطيع بناء نظام مستدام.
الفصل السابع: هل المشكلة في الارتفاع أم في الكشف؟
تحسّن برامج الكشف المبكر، خصوصاً لسرطان الثدي، ساهم في زيادة الحالات المسجّلة. سرطان الثدي يتصدر القائمة بنحو 3800 إصابة سنوياً.
هذا التطور إيجابي من زاوية التشخيص المبكر، لكنه يكشف أيضاً حجم العبء المستقبلي على النظام الصحي إذا لم تُعزّز الوقاية.
الفصل الثامن: ماذا ينقص لبنان؟
لبنان لا يفتقر إلى القوانين. قانون منع التدخين موجود. هيئة سلامة الغذاء أُقرّت. خطط وطنية وُضعت على الورق.
ما ينقص هو التنفيذ والرقابة والشفافية.
الخبراء يطالبون بـ:
فرض فلاتر إلزامية على المولدات
تحديث شبكة رصد تلوث الهواء
تشديد الرقابة على المبيدات
إطلاق سجل وطني موحد للسرطان
تحويل الوقاية إلى سياسة عامة لا حملة موسمية
الخلاصة: هل نحن أمام تسونامي حتمي؟
المعطيات لا تشير إلى كارثة فورية، لكنها ترسم مساراً تصاعدياً واضحاً. إذا استمرت عوامل الخطر بالتراكم، فقد تتحول التوقعات المنشورة في The Lancet إلى واقع ملموس بحلول 2050.
السرطان في لبنان ليس قدراً بيولوجياً فقط. إنه نتيجة خيارات بيئية وصحية وسياسية.
السؤال لم يعد: هل ترتفع الإصابات؟
السؤال أصبح: من يملك الجرأة لكسر الحلقة قبل أن يصبح الاحتواء مستحيلاً؟


