طرابلس تنهار… والمسؤولية السياسية الكاملة بلا أقنعة
مدينة تُترك عمدًا خارج أولويات الدولة
لم يعد مقبولًا التعامل مع ما يجري في طرابلس بوصفه حادثًا عابرًا أو خللًا تقنيًا. في الواقع، ما تشهده المدينة هو نتيجة مباشرة لمسار سياسي واضح، قائم على الإهمال الممنهج والتجاهل المتعمّد. لذلك، فإن انهيار المبنى في القبة لم يكن مفاجئًا، بل جاء تتويجًا لسنوات من القرارات المؤجَّلة، والتمويل المعطَّل، والتغطية السياسية للفشل.
في هذا السياق، تتحمّل السلطة السياسية بكامل طبقاتها مسؤولية ما حصل، سواء عبر القرار أو عبر الصمت. فالسكوت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة فعلية في صناعة الكارثة.
الحكومات المتعاقبة: الإهمال كخيار سياسي
أولًا، لا يمكن حصر المسؤولية بحكومة واحدة. على العكس، فإن الحكومات المتعاقبة اختارت التعامل مع طرابلس كملف هامشي. وبالتالي، رُحِّلت أزمات المدينة من بيان وزاري إلى آخر من دون أي خطة مستدامة لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط أو البنى التحتية المتهالكة.
الأخطر أن هذا النهج لم يكن نتيجة ضعف، بل خيارًا سياسيًا ثابتًا. فحين تغيب الإرادة، يتحوّل الإهمال إلى سياسة عامة، وتصبح الكارثة مسألة وقت لا أكثر.
مجلس النواب: تشريع غائب ومحاسبة معلّقة
في المقابل، يتحمّل مجلس النواب مسؤولية سياسية مباشرة. إذ فشل في إقرار قوانين وقائية فعّالة، ولم يستخدم أدواته الدستورية لمساءلة الحكومات المتعاقبة عن التقصير. إضافة إلى ذلك، لم يفرض المجلس أي نقاش جدي حول سلامة الأبنية في طرابلس، رغم تكرار التحذيرات.
وبالتالي، تحوّل المجلس من سلطة رقابية إلى شاهد صامت، ما أسهم في تكريس مناخ الإفلات من المحاسبة.
نواب طرابلس: تمثيل بلا ضغط حاسم
أما نواب طرابلس، فباستثناء محاولات فردية، لم ينجحوا في تحويل الخطر الداهم إلى أولوية وطنية. لم تُستثمر الكتل النيابية، ولم تُستخدم أوراق الضغط السياسية المتاحة. ونتيجةً لذلك، بقيت المدينة أسيرة بيانات وتصريحات، بدل أن تتحوّل إلى ملف يُفرض على طاولة القرار.
وفي السياسة، ما لا يُفرَض بالقوة الدستورية، يُهمَل حتمًا.
وزارة المال: تعطيل التمويل رغم الخطر
من جهة أخرى، تتحمّل وزارة المال مسؤولية مباشرة عبر تأخير تحويل الاعتمادات المالية اللازمة لمعالجة الأبنية المهددة بالانهيار. هذا التأخير، رغم وضوح الخطر وتعدّد الإنذارات، لم يكن إداريًا فحسب، بل قرارًا ماليًا له تبعات كارثية.
بكلام أوضح، حين تحجب وزارة المال التمويل في ملف سلامة عامة، فإنها تشارك عمليًا في تعريض حياة المواطنين للخطر.
وزارة الأشغال: معرفة بلا تنفيذ
كذلك، تمتلك وزارة الأشغال العامة والنقل التقارير والخبرة الفنية، لكنها فشلت في تحويل هذه المعرفة إلى خطة عمل ملزمة. لم تُنجز مسوحات شاملة، ولم تُفرض إجراءات وقائية صارمة. وبالتالي، بقيت التقارير حبرًا على ورق، فيما تركت الأبنية المهددة تواجه مصيرها.
وزارة الداخلية والبلديات: بلديات بلا أدوات
في هذا الإطار، كرّست وزارة الداخلية والبلديات واقع البلديات العاجزة. فمنعت عنها الصلاحيات الفعلية، وقيّدتها ماليًا، ثم حمّلتها مسؤولية لا تملك أدوات معالجتها. لذلك، تحوّلت تحذيرات بلدية طرابلس إلى صرخات بلا قدرة تنفيذية.
محافظ الشمال: صلاحيات لم تُستخدم
إداريًا، كان يفترض بمحافظ الشمال أن يستخدم صلاحياته الاستثنائية في مواجهة خطر داهم. إلا أن الاكتفاء بالدور الروتيني، وعدم الدعوة إلى إجراءات طارئة، جعلا الموقع حاضرًا شكليًا وغائبًا فعليًا عن إدارة الأزمة.
وفي حالات الخطر العام، يصبح عدم استخدام الصلاحيات تقصيرًا لا يمكن تبريره.
الأجهزة الرقابية: غياب المساءلة المسبقة
أما ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي وسائر الأجهزة الرقابية، فلم تسجَّل لها أي خطوات ردعية قبل الكارثة. لم تصدر تقارير علنية، ولم تُحاسَب أي جهة مقصّرة. وهكذا، غابت الرقابة المسبقة، وحضرت الكارثة كأمر متوقَّع.
السلطة السياسية: مسؤولية غير مباشرة لكنها حاسمة
في المحصّلة، تتحمّل القوى السياسية الكبرى مسؤولية غير مباشرة لكنها جوهرية. فقد أبقت طرابلس خارج سلّم الأولويات الوطنية، ولم توفّر لها أي مظلّة سياسية تحميها. هذا الغياب سمح باستمرار الإهمال من دون كلفة سياسية تُذكَر.
النتيجة: مدينة مكشوفة بلا حماية
نتيجةً لذلك، تقف طرابلس اليوم بلا شبكة أمان سياسية أو مؤسساتية. تنهار الأبنية كما انهارت قبلها الخدمات، والاقتصاد، وثقة الناس بالدولة. وكل انهيار جديد ليس حادثًا، بل شهادة إضافية على فشل منظومة قرّرت أن ترى… وألا تتحرّك.
✍️ تحليل خاص ما يجري في طرابلس هو أزمة قرار سياسي قبل أي شيء آخر. تعرف السلطة حجم الخطر، لكنها تؤجّل المعالجة لأن كلفة الإهمال، في حساباتها، أقل من كلفة الإنقاذ. لذلك، يتكرّر المشهد نفسه: تحذير، تجاهل، كارثة، ثم تعاطف بلا محاسبة.
وإلى أن تُسمّى المسؤوليات بوضوح، وتُفتح ملفات المساءلة، سيبقى كل مبنى مهدّد مشروع كارثة جديدة.
بقلم: عبد المجيد المهباني


