بقلم: عبد المجيد المهباني
أبلغت طهران واشنطن بوضوح: لا جولة ثانية من المفاوضات في ظل الشروط الحالية.
لكن، في العمق، لا يعكس هذا الموقف رفضًا للتفاوض بقدر ما يعكس محاولة إعادة ضبط شروطه.
في الظاهر، يدور الخلاف حول “مطالب مفرطة” طرحتها واشنطن، وفق ما نقلته .
لكن في الواقع، يتجاوز النزاع هذه التفاصيل، إذ يرتبط مباشرةً بصراع أوسع على النفوذ الإقليمي، حيث يبرز لبنان كإحدى أبرز نقاط التباين.
الخلفية: لماذا تعثرت المفاوضات الآن؟
رغم اقتراب الطرفين من اتفاق خلال محادثات ، أشار وزير الخارجية إلى وجود فجوات لا تزال قائمة.
من جهة، تسعى واشنطن إلى توسيع إطار التفاوض ليشمل ملفات إقليمية.
ومن جهة أخرى، ترفض طهران هذا الطرح، وتصرّ على فصل الملف النووي عن نفوذها في المنطقة.
لذلك، لا يظهر لبنان هنا كملف مستقل، بل كجزء أساسي من معادلة النفوذ.
التحليل: الميدان يخدم التفاوض
لا يتحرك المشهد السياسي بمعزل عن الواقع الميداني. بل على العكس، تستخدم الأطراف الساحات الإقليمية لرفع سقف التفاوض.
في هذا السياق، توظّف إيران أوراقها في المنطقة، ومنها لبنان، للضغط غير المباشر. وفي المقابل، تراقب واشنطن هذه التحركات وتحاول احتواءها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
بالتالي، لا يمكن اعتبار أي توتر في لبنان حدثًا منفصلًا، بل يجب قراءته كجزء من رسائل تفاوضية محسوبة.
الاقتصاد والسياسة: الضغط غير المعلن
في الوقت نفسه، يفرض العامل الاقتصادي نفسه بقوة على القرار السياسي.
تعاني إيران من ضغوط العقوبات، لكنها في المقابل ترفض تقديم تنازلات مجانية. أما واشنطن، فتدرك أن الضغط الاقتصادي وحده لا يكفي، لذلك تحاول ربطه بسلوك طهران الإقليمي.
أما لبنان، فيبقى الأكثر تأثرًا، إذ يؤدي أي تصعيد إلى تعميق أزمته الاقتصادية، ويزيد من هشاشته الداخلية.
تفكيك التصريحات: رسائل مزدوجة
تحمل التصريحات الإيرانية أكثر من مستوى.
في العلن، ترفض طهران الشروط الأميركية وتؤكد أنها لا تريد إضاعة الوقت.
لكن في العمق، تترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض، شرط تعديل قواعده.
في المقابل، يكشف حديث عن “تقارب كبير” أن الاتصالات لم تتوقف، بل دخلت مرحلة أكثر حذرًا.
ما الذي لا يُقال؟
في الواقع، تدور المفاوضات بعيدًا عن الأضواء.
كما تستخدم الأطراف الساحات الإقليمية، ومنها لبنان، لتحسين شروطها.
وفي الوقت نفسه، يسعى الجميع إلى تجنب انهيار كامل للمسار التفاوضي، رغم استمرار رفع سقف المطالب.
السيناريوهات
1. استئناف التفاوض بشروط معدّلة
إذا خفّضت واشنطن سقف مطالبها، فقد تعود المفاوضات تدريجيًا، وقد ينعكس ذلك تهدئة نسبية في لبنان والمنطقة.
2. استمرار التعثر والتصعيد غير المباشر
أما إذا استمر الخلاف، فستلجأ الأطراف إلى أدوات ضغط ميدانية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع التوتر، خصوصًا في الساحات الحساسة مثل لبنان.
الخلاصة
ما يجري لا يعكس فشلًا في التفاوض، بل يكشف صراعًا واضحًا على شروطه.
في هذا السياق، لم يعد لبنان مجرد ساحة متأثرة، بل أصبح جزءًا من معادلة الضغط والتفاوض.
السؤال ليس هل ستعود المفاوضات… بل متى، وبأي شروط، وعلى حساب من.


