هل نحن أمام خطاب تهدئة… أم إعلان مرحلة سياسية جديدة في لبنان؟
في كلمته الأخيرة، رسم جوزاف عون ملامح ما بعد وقف إطلاق النار.
لكن، في المقابل، تكشف القراءة المتأنية ما هو أبعد من ذلك. إذ يبدو أن هناك محاولة واضحة لنقل لبنان من ساحة صراع إلى موقع تفاوضي مستقل.
استعادة القرار: النقطة المفصلية
في الواقع، لم يكن أخطر ما في الخطاب الحديث عن الهدنة.
بل كان التأكيد المباشر على أن لبنان “استعاد قراره”.
ومن هنا، يحمل هذا الطرح ثلاث دلالات أساسية.
أولًا، إنهاء منطق تعدد مراكز القرار.
ثانيًا، التمهيد لحصر القرار السياسي والعسكري بيد الدولة.
ثالثًا، فتح الباب أمام اشتباك سياسي داخلي من نوع جديد.
التفاوض ليس ضعفًا: تفكيك سردية راسخة
في هذا السياق، ركّز الخطاب على نفي فكرة أن التفاوض يمثل تراجعًا.
وبالتالي، شدّد على ثلاث نقاط واضحة:
هو ليس ضعفًا، وليس تنازلًا، بل خيار سيادي.
وعليه، تعكس هذه اللغة محاولة استباق أي رفض داخلي. كما تهدف إلى بناء شرعية سياسية وشعبية لمسار تفاوضي حساس.
البعد الدولي: رسائل موجهة للخارج والداخل
من جهة أخرى، حملت الإشارة إلى دونالد ترامب والدور العربي، خصوصًا السعودية، أبعادًا سياسية واضحة.
ففي الواقع، تعني هذه الإشارات ثلاث رسائل أساسية.
أولًا، وجود رعاية دولية لمسار وقف إطلاق النار.
ثانيًا، تأمين غطاء سياسي خارجي للمفاوضات.
ثالثًا، توجيه رسالة طمأنة للأسواق والداخل اللبناني.
من وقف إطلاق النار إلى مشروع دولة
الأهم من ذلك، لم يكتفِ الخطاب بالتهدئة. بل حدّد أهداف المرحلة المقبلة بشكل مباشر.
تشمل هذه الأهداف وقف العدوان الإسرائيلي، ثم الانسحاب الإسرائيلي.
كما تتضمن بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي.
إضافة إلى ذلك، تطرح عودة النازحين والأسرى.
وبهذا المعنى، تشير هذه العناوين إلى انتقال تدريجي. أي الانتقال من إدارة أزمة إلى محاولة تثبيت استقرار طويل الأمد.
رسائل الداخل: التحدي الأكثر تعقيدًا
أما داخليًا، فكان الخطاب أكثر حساسية.
أولًا، دعا إلى “قوى مسلحة واحدة”، ما يطرح مسألة حصرية السلاح بشكل مباشر.
ثانيًا، حذّر من التخوين، ما يعكس توقع انقسام سياسي حاد.
ثالثًا، أكد على تحمّل المسؤولية لضبط إيقاع المرحلة.
ما الذي لم يُقل؟
ورغم وضوح الخطاب، بقيت أسئلة أساسية دون إجابات.
كيف ستبسط الدولة سلطتها فعليًا؟
ما مصير التوازنات العسكرية الحالية؟
ما هي الضمانات الدولية؟
وهل يوجد جدول زمني واضح؟
في المقابل، لا تعني هذه الثغرات ضعفًا. بل تعكس طبيعة مرحلة تفاوضية لم تكتمل بعد.
السيناريوهات المحتملة
انطلاقًا من ذلك، يمكن رسم سيناريوهين واضحين:
السيناريو الإيجابي:
تثبيت وقف إطلاق النار.
ثم بدء مفاوضات جدية.
يلي ذلك دعم دولي اقتصادي.
وأخيرًا، استقرار تدريجي.
السيناريو السلبي:
رفض داخلي لمسار التفاوض.
ثم تصعيد سياسي قد يتحول أمنيًا.
ما يؤدي إلى انهيار الهدنة.
وبالتالي، عودة التوتر العسكري.
الخلاصة
في المحصلة، لا يمكن اعتبار خطاب جوزاف عون مجرد دعوة للتهدئة.
بل هو محاولة لإعادة تعريف دور لبنان.
ينتقل لبنان، وفق هذا الطرح، من ساحة صراع إلى طرف مفاوض.
لكن، في النهاية، لا يعتمد نجاح هذا التحول على الخارج فقط.
بل يرتبط بشكل أساسي بقدرة الداخل اللبناني على إدارة المرحلة دون انفجار سياسي أو أمني.


